الغزالي

133

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كفى بالموت مفرّقا » . وقال عليه السلام : « كفى بالموت واعظا » . وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المسجد ، فإذا قوم يتحدّثون ويضحكون فقال : « اذكروا الموت ، أما والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا » . وذكر عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل فأحسنوا الثناء عليه فقال : « كيف ذكر صاحبكم للموت ؟ » قالوا : ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت . قال : « فإن صاحبكم ليس هنالك » . وقال ابن عمر رضي اللّه عنهما : أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار : من أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول اللّه ؟ فقال : « أكثرهم ذكرا للموت ، وأشدّهم استعدادا له ، أولئك هم الأكياس ، ذهبوا بشرف الدنيا ، وكرامة الآخرة » . وقال الحسن رحمه اللّه تعالى : فضح الموت الدنيا ، فلم يترك لذي لبّ فرحا . وقال الربيع بن خثيم : ما غائب ينتظره المؤمن خيرا له من الموت . وكان يقول : لا تشعروا بي أحدا ، وسلّوني إلى ربي سلا . وكتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه : يا أخي ، احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنّى فيها الموت فلا تجده . وكان ابن سيرين إذا ذكر عنده الموت ، مات « 1 » كلّ عضو منه . وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كلّ ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ، ثم يبكون حتى كأنّ بين أيديهم جنازة . قال إبراهيم التيمي : شيئان قطعا عنّي لذّة الدنيا ؛ ذكر الموت ، والوقوف بين يدي اللّه عزّ وجلّ . وقال كعب : من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها . وقال مطرّف : رأيت فيما يرى النائم كأنّ قائلا يقول في وسط مسجد البصرة : قطع ذكر الموت قلوب الخائفين ، فو اللّه ما تراهم إلا والهين .

--> ( 1 ) مات كل عضو منه : بمعنى فتّر عن العمل لشدة الخوف منه .